العلوم و التكنولوجيا

سنغافورة توسع رهانها على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية بخطة بحثية قيمتها 37 مليار دولار سنغافوري

 31/08/2026 | تحديث 03:21 | The Verificat + وكالات

من الإنفاق على الأبحاث إلى بناء اقتصاد معرفي

تدخل سنغافورة مرحلة جديدة من استراتيجيتها العلمية مع خطة البحث والابتكار والمشروعات RIE2030 التي تخصص 37 مليار دولار سنغافوري على مدى خمس سنوات لدعم البحث والتكنولوجيا وتحويل المختبرات إلى منتجات وشركات وقدرات وطنية. أهمية الخطة لا تكمن في حجم التمويل فقط، بل في الطريقة التي تحاول بها الدولة ربط الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتصنيع المتقدم والطب الدقيق والأمن السيبراني بالاقتصاد الحقيقي. الخطة تأتي بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إطلاق أول خارطة RIE في 2010 بميزانية بلغت آنذاك 16.1 مليار دولار سنغافوري، ما يعكس توسعاً كبيراً في حجم الرهان الحكومي على العلم بوصفه أداة تنافس اقتصادي وسيادي.

سنغافورة توسع رهانها على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية بخطة بحثية قيمتها 37 مليار دولار سنغافوري

الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى المصانع

أحد الأمثلة التي تبرزها التجربة السنغافورية هو قطاع الصناعات البحرية. شركة Mencast Marine، التي بدأت قبل عقود كعملية صغيرة لتصنيع مراوح السفن، أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد إلى خطوط الإنتاج بالتعاون مع مؤسسات بحثية وطنية. ووفق البيانات المنشورة، أدى الاعتماد على التصنيع الإضافي والروبوتات إلى رفع الإنتاجية بما يصل إلى 30% وتقليص مدة تصنيع بعض المراوح من نحو شهر إلى قرابة أسبوعين. كما انخفضت البصمة الكربونية لإنتاج مروحة بوزن 200 كيلوغرام بنحو 36%. هذه الأرقام توضح كيف يتحول البحث العلمي إلى تحسين مباشر في الكلفة والوقت والانبعاثات.

الحوسبة الكمية من المختبر إلى السوق

في مجال الحوسبة الكمية، تعمل سنغافورة على بناء منظومة تجمع الجامعات والمراكز الوطنية والشركات الناشئة. شركة Horizon Quantum طورت أدوات برمجية تهدف إلى جعل بناء تطبيقات الحوسبة الكمية أسهل للمطورين الذين لا يملكون خلفية متخصصة في فيزياء الكم. الشركة جذبت جولات تمويل دولية، من بينها جولة بقيمة 18.1 مليون دولار أميركي في 2023، وأسست أول حاسوب كمي تجاري للإيجار في البلاد. على المستوى الوطني، تنسق الحكومة العمل بين مركز تقنيات الكم ومركز الابتكار الكمي التابع لـA*STAR، مع تمويل مشترك تحت RIE2025 بلغ 295 مليون دولار سنغافوري، بهدف منع ازدواجية المشاريع وتوجيه الموارد إلى مسارات بحثية متكاملة.

الأمن السيبراني قبل وصول الحواسيب الكمية القوية

الاستثمار الكمي لا يستهدف بناء حواسيب أسرع فقط. جزء مهم منه مرتبط بما يسمى الأمن ما بعد الكمي، لأن الحواسيب الكمية المتقدمة قد تستطيع مستقبلاً كسر بعض خوارزميات التشفير المستخدمة اليوم لحماية البنوك وشبكات الاتصالات والبنية الحكومية. لذلك أطلقت سنغافورة شبكات وطنية لاختبار تقنيات تشفير واتصال أكثر مقاومة للهجمات الكمية. هذا التوجه يبين أن الدولة تنظر إلى التكنولوجيا ليس باعتبارها فرصة اقتصادية فحسب، بل أيضاً كمسألة أمن وطني واستمرارية للبنية الرقمية.

الطب الدقيق ومئات آلاف المرضى

يمتد برنامج RIE إلى الصحة عبر مبادرات الطب الدقيق. المرحلة الثانية من البرنامج الوطني السنغافوري رسمت بيانات جينية لنحو 100 ألف شخص سليم بهدف تحسين فهم الأمراض لدى السكان الآسيويين، بينما تستهدف المرحلة الثالثة إشراك ما بين 400 ألف و450 ألف مريض في شبكات الرعاية العامة. الفكرة هي دمج الجينات والعوامل البيئية ونمط الحياة مع بيانات سريرية حقيقية لتطوير علاجات أكثر تخصيصاً. هذه المقاربة قد تساعد في تحسين اختيار الأدوية والتنبؤ بالمخاطر، لكنها تفتح أيضاً ملفات معقدة تتعلق بالخصوصية وإدارة البيانات والموافقة المستنيرة.

الاستعداد للأوبئة جزء من البنية العلمية

بعد تجربة كوفيد-19، أنشأت سنغافورة برنامج PREPARE باستثمار وطني قدره 100 مليون دولار سنغافوري لتعزيز الاستعداد للأوبئة. البرنامج يجمع خبراء في علم الوبائيات واللقاحات والأمراض المعدية ونماذج الأنسجة التنفسية، ويهدف إلى تقليل الزمن بين ظهور تهديد صحي جديد وبين القدرة على اختباره وفهمه وتطوير أدوات لمواجهته. إدراج هذا النوع من البرامج داخل استراتيجية البحث يعكس تحولاً مهماً: الاستعداد الصحي لم يعد مجرد وظيفة طوارئ تابعة للمستشفيات، بل أصبح مجالاً للبحث العلمي والبنية التحتية والقدرات السيادية.

ما الذي يمكن للدول الأخرى تعلمه؟

التجربة السنغافورية لا تعني أن الإنفاق الكبير يضمن النجاح تلقائياً. العنصر الحاسم هو الربط بين التمويل والجامعات والشركات والجهات التنظيمية والسوق. كما أن الدولة تضع مؤشرات واضحة للترجمة التجارية، وتستخدم مؤسسات عامة للاستثمار المبكر في التكنولوجيا عالية المخاطر. الخطة الجديدة RIE2030 ستُقاس بقدرتها على تحويل 37 مليار دولار سنغافوري إلى شركات مستدامة، وظائف عالية المهارة، براءات اختراع، إنتاجية أعلى وبنية رقمية أكثر أماناً. وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على الرقائق والذكاء الاصطناعي والكم، تحاول سنغافورة أن تثبت أن الحجم الجغرافي الصغير لا يمنع بناء نفوذ تكنولوجي كبير إذا جرى الاستثمار بتركيز طويل المدى.

gherlkel.com — سنغافورة توسع رهانها على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية بخطة بحثية قيمتها 37 مليار دولار سنغافوري
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى